لا شيعية ولا سنية... الهوية إنسانية

إتصل بنــا    منشور المؤتمر    أسـس التـنـظيـم    طلب الإنتمـاء

"معاً" العمالية البغدادية تحاور آرا خاجادور

"معاً" تحاور قائداً نقابياً مخضرماً

آرا خاجادور في حديث نقابي عن اليوم والأمس

"معاً" تسأل مؤسس أول نقابة لعمال النفط العراقيين عن تجربته التي إمتدت خمسين عاماً

معاً: لم يشهد تاريخ الحركة العمالية كثرة في أعداد الاتحادات والمنظمات العمالية مثلما يشهد في هذه الفترة التي أعقبت إحتلال العراق. هل تعتبرون كثرة الإتحادات العمالية، التي وصل عددها الى (9) إتحادات أو أكثر، مرتبطة بحرية التنظيم النقابي، التي كان يمنعها النظام السابق، أم إحدى "نعم الديمقراطية" التي جلبتها الإدارة الأمريكية وقواتها الغازية الى العراق؟.

آرا خاجادور: في البدء أقول لا يمكن أن يجلب الإحتلال أي نوع من الديمقراطية، لأن الإحتلال بحد ذاته يُعد أقسى مصادرة للحريات الديمقراطية، حيث يُصادر حرية البلد بأكمله، وإن كثرة الإتحادات بحد ذاتها لا تعني حالة صحية أو مرضية، فالأمر يقاس من خلال الخدمات التي تقدمها الإتحادات والنقابات للعمال مهنياً ووطنياً، بمعنى حرية الوطن وحرية الأفراد.

وكما لاحظت في السؤال هناك تركيز على وصف الحركة العمالية، فهذا الوصف ينطوي علي مفهوم أوسع من المعنى النقابي، وأعتقد بأنه يشمل العمل السياسي والعمل النقابي معاً. ولاحظت في الحياة النقابية والسياسية أن هناك بعض التداخل قد وقع بين المفهومين في الممارسة العملية، وهذا بدوره ترك إنطباعاً لدى المنظمات النقابية المناضلة لدى الدول الأخرى، وفي نطاق الحركة النقابية العالمية  تجاه وضعنا العراقي، وطرح البعض منهم عليّ تساؤلات في هذا الجانب، تفيد بأن هنالك بعض التداخل الزائد بين النقابي والسياسي في العراق، وأنا لا أنفي الصلة بين الإثنين، ولكن ينبغي أن تكون حدود العلاقة بين الجانبين واضحة للغاية، من أجل حماية وتطوير الإثنين معاً.

نعم في العراق هناك عطش للحريات الديمقراطية وللعمل النقابي، ذلك العمل الذي لم يمر بفترات إيجابية من حيث المناخ السياسي الذي يحيط به إلاّ ما ندر، ولفترات قصيرة للغاية، وإن الظروف المأساوية الحالية التي تحيط بالعمال وعوائلهم قد فرضت تنوعاًً في أساليب إنتزاع الحقوق. إن كثرة المؤسسات العمالية والنقابية والسياسية في جزء منها تعود الى الظروف السلبية التي تحيط بالبلاد على مختلف الأصعدة، وإن فوضى الواقع تنعكس بمزيد من الفوضى على الحياة النقابية، حيث نرى في المهنة الواحدة وجود عدة إتحادات وعدة نقابات، وهذا ليس خطراً إذا لم يتحول الى منافسة سلبية يمكن إستغلالها لمعاداة للوطن والعمال.

كما إن خيانة الأحزاب التاريخية في العراق، وتبرير خيانتها تحت طائلة أو ذريعة الإستفادة من هامش الفوضى أو الديمقراطية، قد خلقت حالة من الإغتراب، الذي تعزز بدوره نتيجة لإنقطاع الخبرة، وهذا الأخير زاد من الإرتباك السائد حالياً، وكل هذه الأسباب دعت البعض من شغيلة اليد والفكر نتيجة للحرمان السابق والبؤس الحالي الى البحث عن طوق نجاة من خلال الإنزواء صوب العرق أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو حتى الأحزاب المصنعة على حساب الوطنية العامة.

ومن الجانب الأخر، وبعد مرور خمس سنوات على الإحتلال، لم تجد الفئات والنقابات والإتحادات والأحزاب والشخصيات الوطنية والكتل الثورية التي وقفت منذ البداية ضد الإحتلال سبيلاً للتعاون المشترك، فقد ظلت أسيرة المواقف الضيقة، وهذا يشمل الإتجاهات اليسارية والوطنية والقومية والدينية التقدمية وغيرها مجتمعة، ولم تحصل إنعطافة جديدة في الحركة الوطنية، ولكن وعلى الرغم من هذا الواقع المر لا يجب علينا التشاؤم، إن معرفة الواقع لا تندرج في كل الأحوال في لائحة التشاؤم، إنها حالة ضرورية وخطوة أولى على طريق إحتواء الظروف القاسية والمؤلمة من أجل الإنطلاق الى أمام.

وعلى الرغم من هذه الأوضاع السوداء لا يجوز نكران النجاحات التي حققتها الحركة النقابية بكل أطرافها في الدفاع الملموس عن مصالح العمال والوطن ككل مؤخراً، وللعمال الفضل الكبير في إبقاء راية الوحدة الوطنية مرفوعة، وأفشلت النقابات الكثير من المشاريع لسرقة الوطن وثرواته، إن مواصلة الجهود من أجل خلق حالة راسخة من الإحترام والتعاون بين نقابات العمال المختلفة تُعيد الأمل الى الشعب كله.

في كل الأحول ينبغي أن تظل قضية طرد الإحتلال هي النقطة الأولى والمركزية، وعلى القوى الوطنية التي وقفت ضد الإحتلال منذ البداية أن توحد صفوفها بأسرع وقت ممكن، وأن تستخدم كل وسائل النضال الممكنة من أبسطها الى أعلاها، وفق برنامج سياسي واضح ضد الإحتلال وعملاء الإحتلال، ولإسقاط المعاهدة الإسترقاقية الجديدة التي يُعد لها في الظلام ينبغي تحشيد كل الجهود حتى قبل أن ترى هذه المعاهدة النور، وليكون شعارنا جميعاً: "لن نقبل بـ ـ بورتسموث ـ جديدة، ولن تمر المعاهدات الإسترقاقية، والأيام بيننا".

وعلى النقابات والإتحادات الوطنية حقاً العمل من أجل التخلص من الأفكار الإنعزالية والذاتية، وأن تأخذ بمنتهى الحذر والجدية متطلبات التصرف السليم لعملها وسط الجماهير والفئات الإجتماعية المختلفة، فالنقابي في حالة كونه يعمل في حزب سياسي أم لا عليه ألاّ ينسى للحظة الفارق بين الدورين والمهمتين، وعليه أن يحتكم لقانون النقابة أو الإتحاد أولاً وآخراً، وليعلم الجميع بأن الكفاح من أجل خبزة الفقراء في جزء كبير منه كفاح ضد الإحتلال، ألم يستغل الإحتلال وعملاؤه جوع بعض الفقراء لوضعهم في زاوية حرجة، على العمال وهم طليعة الشعب، وهم قوة توحيده، أن يناضلوا من أجل الحقوق النقابية والوطنية خارج حدود التعصب وخارج كل المظاهر والظواهر التي أراد الإحتلال تركيزها ووضعها في المقام الأول.

مهما تعددت وكثرت النقابات والإتحادات، وتنافست فيما بينها، وحتى إذا تصارعت وإنشطرت ففي لحظة معينة ستجد المخلصة منها وغير المصنعة لأغراض معادية للعمال والوطن نفسها في وضع التفاهم والتنسيق المشترك، وكما يقول المثل: الغربال لا يحجب نور الشمس، أي إن مصالح العمال معروفة وواضحة، كما هي مصالح الوطن ككل.

 

معا: إن تاريخ العراق خلال عقود الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات هو تاريخ الحركة العمالية. بل ونستطيع أن نقول بأن الحركة العمالية ساهمت بشكل كبير في رسم الملامح السياسية في العراق. فعلى سبيل المثال فأن إضرابات رسوم البلدية ورفع سعر الوحدة الكهربائية التي قادتها جمعية أصحاب الصنائع شلت بغداد، وإضرابات كاورباغ في 1946 أسقطت الوزارة، وإضرابات الخمسينات والستينات للعمال في العديد من القطاعات الصناعية على مستوى العراق هي إحدى العوامل في دفع القوى القوى القومية، وبدعم من المخابرات المركزية الأمريكية في السيطرة على نظام الحكم وقمع الحركة العمالية، وكذلك إضراب عمال الزيوت النباتية في بغداد في 5 تشرين الثاني من عام 1968 هزت الحكومة أنذاك مما أدى الى قمعها بوحشية..الخ. هل نستطيع إن نقول أو نأمل بأن الحركة العمالية بمقدورها أن تنهض من جديد، وتلعب دوراً ريادياً في تغيير الأوضاع السياسية في العراق؟.

آرا خاجادور: لا شك في أن هنالك فروقاً موضوعية بين العقود التي أشرتم إليها وعما نواجهه اليوم، فقد كان الأمر مختلفاً محلياً وإقليمياً وعالمياً، حيث كان الصعود الثوري في أبهى صوره، والقيم التي تحكم الضمائر والسلوك وحتى الحياة نفسها أصدق وأوضح وأعمق. ففي فترة قصيرة إستطاعت النقابات الأهلية في العراق أن تنال إجازاتها، وفي العامين 1945 و1946 أجيزت 13 نقابة من 14 نقابة، وقد جرى إستثناء نقابة عمال النفط فقط لأسباب غير مجهولة على أحد، وقد تعرضت بتفصيل وافر لهذه الأمور في كتابات سابقة. حيث أشرت الى أن الشركات الإحتكارية وعلى الرغم من إضراب كي ثري وكاورباغي رفضت منح عمال النفط حقهم الطبيعي في تأسيس نقابة لهم، وكما هو معلوم فإن الشركات الإحتكارية هي الحكومة الفعلية في العراق. نعم كان تاريخاً مجيداً ناصعاً.

واليوم فإن الأبناء والأحفاد يخضعون لذات القيم، ولكن حجم القهر أثقل بفعل الإحتلال، وإن مطاليب اليوم التي يرفعها عمال النفط في البصرة وكركوك وكي ثري وغيرها تكاد تكون ذاتها في كاورباغي قبل أكثر من 60 عاماً، زيادة الاجور، توفير السكن، أو قطعة أرض، بعض العدل في مجال الخدمات، وتوزيع الحقوق وما الى ذلك، وفي ذات الوقت تطرح الهموم الكبرى للشعب وسيادته على نفسه.

إن الظروف الراهنة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، ولكن من حقنا أن نأمل بأن تنهض الحركة النقابية والعمالية من جديد، وتلعب دوراً ريادياً في تغيير الأوضاع السياسية في العراق، وهي على هذا الطريق تسير بثبات، ولكن الأنين أعلى، والجوع ينهش، والخوف من المستقبل يخيم على العوائل، والظلام دامساً، في هذه الظروف القاهرة ينظر الناس في العراق وخارجه بارتياح الى النضالات العمالية، لأن العمال قدموا أكثر من دليل يبرر الثقة في البصرة وبغداد والأنبار والسليمانية والناصرية وكل مدينة وقرية عراقية، ولكن ليس من مصلحة الإعلام المهيمن تعميم كل التجارب، وكل ما وقع،  ولا تصل الى الناس إلاّ تلك الأحداث التي تعجز أجهزة الإحتلال عن إخفائها، إن ما عُرف من نضالات العمال دغدغ الأمل في النفوس بل قال البعض: هذا هو العراق.

وفي كل الأحوال نقول إن الإضراب تمرين على طريق توحيد القوى الشعبية والعمالية وإنتزاع الحقوق، وأدعو في هذا اليوم عمال التصفية في بيجي والدورة والبصرة وغيرها، وعمال وحدات النقل في كركوك وكي ثري وغيرهما الى إرسال مواقف التضامن لبعضهم، والى اخوانهم في أي موقع تنطلق فيه قولة "لا". لا للمعاهدة الجديدة، لا لقانون النفط اللصوصي، لا لسرقة خبز الناس وأمنهم وعزتهم الوطنية.

نعم يقع الدور ذاته على عمال الفيحاء كما عمال الحدباء، وبغداد وطاسلوجة وكي ثري. اليوم الكل مطالب باظهار صورة جديدة للوحدة النقابية والعمالية على طريق الوحدة الوطنية، ومن أجل إفشال عمليات تقنين السرقة من خلال قانون النفط سيء الصيت والهدف والنتيجة. نعم إن العمال في العراق حافظوا على العراق الواحد الموحد، الصلب والصبور على الرغم من قسوة ظروفهم الفردية الخاصة.

إن الطبقة العاملة العراقية تعلن وبصوت عال بأن معركة الحقوق المشروعة هي التي سوف تحسم مصير الإحتلال وأمراء الطائفية والعنصرية لصالح الوحدة الوطنية العراقية، تلك الوحدة التي هي مصدر رفاهية الشعب وأمنه وإستقراره في الغد القريب، إن النقابات تدافع عن العراق والعراقي بعيداً عن الأوصاف الضيقة. وإن جماهير العمال ومعهم شعب العراق والقوى التقدمية العربية والعالمية تؤكد على أن المعيار الذي يعكس طبيعة أية حكومة هو موقفها من العمال وحقوقهم وموقفها من دفاعهم عن تلك الحقوق.

وفي ذات الوقت نطالب بالإعتماد على القوى الذاتية أولا، وبالدرجة الأولى، وعلى الدوام، الى جانب الإهتمام بالحلفاء الطبيعيين، ونبذ الإعتماد على القوى الأجنبية، الإقليمية منها والعالمية، مع تحريم الإستقواء بالأجنبي على أبناء الوطن. إن الإنحدار الذي وصل الى درجات أسوء من الإحتمالات التي قد تخطر على البال، أو لا تخطر، أو يمكن تخيلها على الأقل، سوف يقوض كل آلات الكذب، وكل مشاريع الإحتلال وعملائه بكل أنواعهم ودرجاتهم.

نستذكر في هذه الأيام مآثر وبطولات وتضحيات طبقتنا العاملة العراقية التي إستلهمت وفهمت أهمية التنظيم من أجل إنتزاع الحقوق، فكانت إضرابات عمال الصنائع، والموانيء والسكك والسكاير والنفط ... كاورباغي ومسيرة"كي ثري" ... والنسيج والزيوت وغيرها. وكانت للطبقة العاملة إسهاماتها البارزة في ثورة الرابع عشر من تموز 1958، وبعد الإقرار الرسمي بشرعية العمل النقابي وإجازة الاتحاد العام ظهر دور العمال في حماية الثورة نفسها وبناء العراق.

إن النضال العمالي في العراق بدأ مبكرا مع النشأة الأولى للطبقة العاملة، وكانت في هذه المسيرة محطات مهمة مثل: أضراب عام 1936 لتأييد العمال الفلسطينيين المضربين في حيفا، وبهذه المناسبة نؤكد على الترابط العميق بين نضال الشعبين العراقي والفلسطيني، وبهذا النضال إرتبطت ايام خالدة مثل تأسيس اتحاد الطلبة العام عام 1948 في ساحة السباع في بغداد، ومن المحطات المهمة كان إضراب كاورباغي، ومسيرة عمال K3 كما أسلفنا.

إن النضال النقابي والطبقي العمالي قام ونهض ضمن النضال الوطني العراقي، وهذا أكسبه سمات خاصة  مختلفة حتى عن دول الجوار القريبة، والسبب يعود الى أن الطبقة العاملة العراقية نشأت في المراكز التي أقامها المحتل الأجنبي لخدمة مصالحه في النفط والسكك والكهرباء وغيرها، لذلك كان الصراع مباشر مع القوى الإستعمارية من جانب العمال، ولأن الطبقة العاملة العراقية كانت على إحتكاك مباشر مع المحتل من خلال مؤسساته التي أقامها لخدمة أهدافه من مواصلات وسكك وموانئ وغيرها. ففي مصر مثلاً نشأت الطبقة العاملة في صناعة القطن الوطنية، وفي سوريا في صناعة النسيج والصابون وغيرهما مما يعتمد على الزراعة الوطنية.

تقول المصادر الغربية بأن الشيوعيين هم بناة النقابات، وهذا صحيح، وهذه حقيقة لا عيب فيها للشيوعيين أو للنقابات، في إضراب عمال كاورباغي كان الدرس الأول في وحدة العمال العراقيين من مختلف الأطياف، فقد كان الخطباء يلقون كلماتهم بالعربية والكردية والتركمانية والاشورية والارمنية، وكان الإنسجام رائعاً بين كل العمال الذين ينحدرون من كل العراق لأن الهدف كان واحداً، وسيبقى كذلك رغم كل ما نرى اليوم بفعل تاجيج المحتلين وعملائهم لكل النزعات البدائية الغريبة على العراق وأهله الحقيقيين.

في كاورباغي شُكلت لجنة لقيادة الاضراب من العمال الشيوعيين وأصدقائهم ضمت (جون ساهاكيان، وهو أول شيوعي في شمال العراق، حنا الياس، دنخايلدة، حكمان فارس، ورسول كريم) بدأ الاضراب في منطقة كاورباغي، وكانت مطاليب العمال تتلخص بتحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور، وتوفير وسائط النقل المناسبة، والإعتراف بحق العمال في التنظيم النقابي، وتوفير ضمان الإجتماعي ضد المرض والعجز وإصابات العمل وإيقاف الطرد الكيفي.

وبعد 12 يوماً من الإضراب لم تحتمل الحكومة ولا أسيادها في شركات النفط تنامي الوعي العمالي، وبدأت الشرطة بإطلاق النار على العمال المضربين فاستشهد 16 عاملاًً وجرح 27 آخرين، وفي اليوم الثاني من الإضراب تجمع الناس في مظاهرة كبيرة لم تشهد مدينة كركوك من قبل مثيلاً لها، وذلك للتنديد بالإعتداء الإجرامي الذي قامت به الشرطة، وطالب المتظاهرون بإطلاق سراح 22 عاملاً معتقلا. وقد تطوع للدفاع عن العمال المعتقلين 54 محامياً وطنياً بالمجان، ومع الإستعداد لدفع ثمن الوقوف الى جانب المضربين.

وقدمت مسيرةK3  درساً رائعاً أيضاً حيث كان قائد المسيرة ووجهها العلني العامل المندائي العماري شنور عودة، وهو معلم مفصول جاء الى سوق العمل فيK3  من أجل لقمة العيش. وقد جسدت قيادته العلنية للاضراب، ومسيرة المضربين بإتجاه العاصمة بغداد الوحدة الرائعة بين شغيلة الفكر واليد، وبين العمال وكل أبناء الشعب. وفي الحالتين، كاورباغي وK3، ما كان للقادة النقابيين أن يلعبوا تلك الأدوار المشهودة ولو تعاون القادة النقابيين المحليين معهم في كركوك وحديثة، وما كان لمسيرة K3 أن تقطع مسافة تزيد عن 200 كيلومتر لولا دعم الأهالي للعمال في طريق مسيرتهم عبر مدن الفرات باتجاه العاصمة بغداد.

إن منظمات الحزب الشيوعي العراقي المقاتلة من أجل السيادة والاستقلال وحقوق العمال لعبت أدواراً مهمة في قيادة الإضرابات الكبيرة والصغيرة في تاريخ العراق، فقيادة إضراب كاورباغي كانت على صلة بالرفيق فهد مباشرة. وفي كي ثري سيطر العمال على مفاتيح ضخ النفط ومحطات توزيع البانزين بقيادة مباشرة من الشيوعيين حيث إضطر المسؤولون البريطانيون الى طلب حتى وقود سياراتهم من لجنة الإضراب التي عُرفت بـ ـ حكومة شنور عودة ـ. بموافقات مكتوبة، وهذه النقطة أي السيطرة على مفاتح ضخ النفط من قبل العمال تكتسب أهمية إستثنائية في هذه الأيام حيث تجري عمليات سرقة وتهريب النفط العراقي من قبل قوات الإحتلال وعملائهم  والمليشيات بدون رقيب او حسيب، ومن المناسب التذكير بضرورة دراسة تجارب عمالنا البطولية والذكية السابقة.

وكانت ثورة تموز 1958 منعطفاً حاداً في تاريخ النضال العمالي العراقي، من حيث إتساع نطاق العمل النقابي، وإقرار بعض الحقوق، وكذلك إزدادت في الفترة ذاتها محاولات شركات النفظ لشق وحدة الحركة النقابية والعمالية العراقية من خلال مفاوضات النفط. نعم إن للحركة النقابية والعمالية تاريخ ناصع ينبغي أن نحافظ عليه اليوم وغداً أيضاً، وأن نستلهم تجاربه ودروسه، إنهم يخافون العمال خوفاً حقيقياً غير معلن، وقد لاحظ الجميع أن النضالات العمالية في كل أجزاء الوطن كانت عراقية الطابع والتوجه، والنزعة الوطنية العراقية هي السلاح الفعال بيد الشعب لا سيما فقراء منه على وجه الخصوص.

معا: لقد شغلتم مركز رئيس نقابة النفط في نهاية الخمسينات ثم شغلتم موقع رئيس اتحاد نقابات عمال العرق، وعليه لديكم تجربة نضالية في الحركة العمالية، وعلى أعلى هيئاتها القيادية، ماهي أوجه المقارنة بين أوضاع الحركة العمالية في مرحلة الخمسينات والستينات مع هذه المرحلة؟ ما هي أهم الشواخص للمرحلتيين؟.

آرا خاجادور: أن وجه الشبه في الفترتين هو أن العمال لا مصلحة لهم بالأوهام العرقية والطائفية، وبالتعصب بصفة عامة، وهم رأس الرمح في الدفاع ليس عن حقوقهم فقط بل وحقوق الوطن كله.

وإن النضال العمالي في العراق بدأ مبكراً مع النشأة الأولى للطبقة العاملة، وكانت في هذه المسيرة محطات مهمة أشرنا إليها قبل قليل. إن نضالات الطبقة العاملة العراقية لا تقف عن حدود أهميتها التاريخية، ولا عند اهدافها المرحلية، بل هي تخدم اليوم نضالنا الراهن ضد الاحتلال، خاصة اذا إستطعنا إستخلاص العبر من تلك التجارب الكبيرة والباهضة الثمن.

أن وعي القيادات العمالية ليس في كل الظروف يلتقط الفوارق بين خصائص كل حالة على حدة، فمثلاً طالب البعض منا برفع الإجور في الشركات الأهلية الصغيرة دون المقارنة بين إمكانيات الشركات الأجنبية مثل شركات النفط والشركات الوطنية في حين يتطلب هذا الموقف الوضوح في التعامل مع الجهتين، أي أن نعرف إمكانيات كل طرف حيث لا نستطيع أن نطالب الشركات الوطنية الضعيفة بنفس مستوى الأجور الذي تدفعه الشركات الأجنبية، أو أحياناً المستوى الذي نفرضه على تلك الشركات، وهذه النقطة كانت موضع مناقشة معي بمشاركة أربعة من أعضاء المكتب السياسي (سلام عادل، محمد حسين أبو العيس، محمد صالح العبلي وجورج تلو).

وكان من ميزات سلام عادل أنه يعتمد على أصحاب الإختصاص في كل موضوع، وبعد الاجتماع أرسلوا الصحفي إبراهيم الحريري لمقابلتي لإعداد مادة تعمم في الصحافة الحزبية، وصدر لاحقا كراس باسم الحزب حول سياسة النقابات، وبإختصار قلت في تلك المقابلة: لنا أكثر من سياسة؛ سياسة تجاه الشركات الأجنبية، وأخرى تجاه الشركات الوطنية، وثالثة تجاه المؤسسات الصغيرة التي تشغل أقل من خمسة عمال وغير مشمولة بقانون العمل.

أن الحزب العمالي الذي يقود نضال الطبقة العاملة عليه ألا يقع في وهم أن الطبقة من أملاكه الخاصة، وهذه الخلاصة الأخيرة واحدة من أهم خلاصات تجربة الطبقة العاملة عالمياً. بدون العمال لا توجد تنمية، بدون العمال لا يمكن تحقيق التحولات الإجتماعية الثورية، وإن الإنطلاق الكلي لقدرات العمال يتطلب وجود ديمقراطية نقابية ومدنية إضافة الى ديمقراطية العلاقات الصناعية، وقبل كل هذا وشرطاً له أن يكون البلد المعني حراً وسيداً على نفسه ومستقلاً إستقلالاً كاملاً.

يقول عمال العراق بلغة واحدة إن الإحتلال ينشر الرعب والقتل والدمار والمليشيات التي فرضت نفسها على المجتمع، وفرضت سلطتها وأعرافها في العديد من المناطق المبتلاة بهم. وشرعت هذه القوى في تقسيم المجتمع وتفتيته على أساس اللغة والدين والمذهب، وتقاسمت السلطة على أساس المحاصصة الطائفية والدينية والقومية، وأدخلت المجتمع في آتون صراع طائفي دموي راح ضحيته الآلاف، ومازال يفتك بالأبرياء يومياً. ويقول ممثلو العمال وفي أدبياتهم المختلفة، ويفخرون في الوقت ذاته بأنه في وسط المذابح الطائفية والاقتتال الدموي لم تسجل ولا حتى حالة شجار بين العمال في المصانع وأماكن العمل على أساس المذهب أو المعتقد.

ومن أقصى الشرق كتب: د. اناتولي اوتكين، الباحث الروسي مقالا موسوماً بـ (المغامرة في بلاد الرافدين.. نهاية التسلط الأمريكي) جاء فيه: إن ضفاف دجلة والفرات شهدت نهوض وسقوط حضارات كثيرة. والآن تشهد بلاد الرافدين محاولة للإتيان بحضارة جديدة على الدبابة، وهي محاولة مآلها الفشل لأن الحضارة أكثر تحصيناً من درع الدبابة ولا يقدر على إعادة بنائها إلا جبروت الزمن في ظل الظروف المناسبة."كراسنايا زفيزدا" 21/4/ 2006 – وكالة نوفوستي. ونذكر مجدداً، وللمرة الألف حتى بتصريح نوري السعيد بعد وثبة كانون : لا تهمنا الوثبة بقدر ما يهمنا التحرك الذي أعقبها من إضرابات وتنظيم.

إن عمال النفط العراقيين حرصوا على مدى تاريخهم كله على وحدة نقابتهم من بابا كركر الى البصرة، ومن عين زالة الى تي وان، وإن بقية الشرائح العمالية ليست أقل شأناً من عمال النفط، ولكن العدو يركز على عمال النفط بصفة خاصه، وأظن أن الكل يذكر كيف أباح الإحتلال نهب الدولة كلها مع الحفاظ على وزارة النفط فقط، إن رائحة النفط تثير أعصابهم ولعابهم، إن وعي عمال النفط العراقيين وعامة العمال إلتقى في المؤتمر الأول بعد ثورة 1958 وحضر مندوبو 52 نقابة مركزية من كل العراق ذلك المؤتمر ليمثلوا 375 ألف عامل حينذاك، وهذه قوة هائلة لا تقهر، ولن تموت في نفوس العراقيين تلك الذكرى، ولكن منطق الحياة فيه مد وجز، واليوم أقول إن كل مؤشرات المد بدأت تتململ في نفوس العمال من أجل ألاّ يضيع الوطن، وهذا الإستنتاج الأخير هو كل ما تعلمته وعرفته من العمال، إنهم براكين لا تستطيع حاسبات العدو إدراكها، وأحياناً تذهل حتى الأوساط الرخوة القريبة من العمال.

وقد يعتقد بعض العمال الثوريين أنهم ليسوا على صلة بماضي التجارب الثورية التي إجتاحت الوطن في فترات مختلفة، وهنا أستطيع أن أضيف بهذا الصدد، ومن خلال التجربة الماضية، أن هنالك حبلاً سرياً تنتقل من خلاله التجارب الثورية حتى وأن بدت لأصحابها وأعدائها بأنها غير متصلة على الإطلاق.

 

معا: تحاول الأحزاب الموالية للحكومة وأرباب العمل ورأس المال أن يفرضوا إنطباعاً وتصوراً بأن الإتحادات العمالية يجب أن تكون مستقلة في حين تسيس هي الإتحادات العمالية عن طريق فرض التصنيف الطائفي والديني على تلك الإتحادات. ما هي الخطط التي تضعونها لإفشال مخططات تلك القوى؟

 

آرا خاجادور:  إن كل الحكومات الرجعية تقول بفكرة النقابات المستقلة، وهي تعني بذلك وجود نقابات لا تدافع عن العمال، ولا تهتم بمصيرهم، إنهم على طول الخط يريدون نقابات تعمل لصالحهم فقط، يريدون مؤسسات تابعة للحكومة من أجل ممارسة الخداع ضد العمال، وضد حقوقهم النقابية والوطنية، نحن أنصار إستقلال النقابات الحقيقيين، ولكن بمفهوم مختلف، مفهوم يدعو الى منع التدخلات الخارجية في إستقلال النقابات، ومنع الهيمنة عليها حتى من الأحزاب العمالية وغير العمالية، على العمالي أن